الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

190

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس ، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، ثم صلى المغرب كوقت الأولى ، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ، ثم صلى الصبح حين أسفر ، ثم التفت إلى جبريل فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذين الوقتين ، رواه الترمذي وغيره . وقوله : « صلى بي الظهر حين كان ظل كل شيء مثله » أي فرغ منها حينئذ ، كما شرع في العصر في اليوم الأول ، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت ، ويدل له حديث مسلم « وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر » . وقوله في حديث جابر « فصلى الظهر حين زالت الشمس » يقتضى جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس ، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء ، مثل الشراك ، كما اتفقت عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة ، وأما حديث ابن عباس فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك ، لا أنه أخر إلى أن صار مثل الشراك . ذكره في المجموع . وقد بيّن ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به - صلى اللّه عليه وسلم - كانت صبيحة الليلة التي فرضت الصلاة فيها ، وهي ليلة الإسراء . ولفظه : قال نافع ابن جبير وغيره : لما أصبح - صلى اللّه عليه وسلم - من الليلة التي أسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس ، ولذلك سميت « الأولى » - أي صلاة الظهر - فأمر فصيح بأصحابه : « الصلاة جامعة » ، فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بأصحابه فذكر الحديث . وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة ، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل ، وبعدها ببيان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . وإنما دعاهم بقوله : « الصلاة جامعة » لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ . واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره . ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبى بكر في صلاته خلف النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وصلاة الناس خلفه ، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط ، كما سيأتي تقريره - إن شاء اللّه تعالى - .